الاستاذ فريد حسن
تمرّ في حياة الإنسان أحداث لا تُعدّ ولا تُحصى…
بعضها عابر وبسيط إلى درجة أننا لا نحتفظ منه إلا بظلال باهتة، لأنه جزء من الروتين اليومي المعتاد، وبعضها يترك في النفس جراحاً لا تندمل فنظل نتذكره كلما مرت بنا الأيام، وأخرى تكون مشرقة ومضيئة، نتعلق بها لأنها منحتنا لحظات فرح نادرة وسط صخب الحياة ومتاعبها.
وهناك نوع آخر من الأحداث…
أحداث لا نندم لأننا فعلناها، بل نندم لأننا لم نفعلها!
واليوم، وبعد سنوات طويلة، عاد إلى ذاكرتي موقف من هذا النوع، ما زلت كلما تذكرته شعرت بشيء من الحسرة الممزوجة بالرضا، وكأن القلب يقف بين الندم والتسليم بما اختاره الله.
في صيف عام 1982م كنت أقيم في حي الأكصر في نواكشوط، مقابل مشفى الأطفال تقريباً. وعلى بعد يزيد قليلاً عن مئة متر من منزلي كان يوجد محل للتصوير الفوتوغرافي، اعتدت الذهاب إليه لطباعة الصور الكبيرة الخاصة بالدعاية لحفلاتي الفنية. كان صاحب المحل يُدعى “ولد سايكا”.
وفي إحدى زياراتي لذلك المحل، وجدت عنده شاباً لم ألتقِ به من قبل. قدّمني إليه المصور قائلاً إنه أخوه الذي يدرس الإخراج السينمائي في أوروبا. دار بيننا حديث طويل عن نشاطاتي الفنية في موريتانيا، وكان قد سمع بالكثير منها، ثم حدثني عن حلم يراوده بإنتاج فيلم سينمائي غنائي عن موريتانيا.
قال لي بحماس:
“ما رأيك أن تكون بطل الفيلم؟
فيلم غنائي تؤدي فيه أغانيك ضمن قصة عاطفية، مع بطلة نختارها معاً، وربما تكون إحدى المطربات المشهورات!”
أعجبتني الفكرة كثيراً…
بل ربما شعرت للحظة أن باباً كبيراً يُفتح أمامي، باباً قد يقود إلى عالم أوسع من الحفلات والسهرات الفنية المحدودة.
لكن ظروف الرجل كانت مختلفة عن أحلام السينما الكبيرة. فقد أوضح لي أنه لا يستطيع أن يدفع أجوراً كما يحدث في السينما المصرية، لكنه بالمقابل سيتكفل بجميع النفقات: السفر، والإقامة، والطعام، والتصوير، والطباعة، والتحميض، وكل ما يلزم لإنتاج الفيلم. أما حصتي فستكون عدداً من نسخ الفيلم، أستطيع تأجيرها لدور السينما في موريتانيا أو في أي بلد عربي آخر.
كان ذلك كل ما يملكه… وكل ما يحلم به.
أما أنا، فكنت أعيش ظروفاً أعقد بكثير مما قد يتصوره أي إنسان.
كنت قد تركت والدي في سوريا مريضاً بسرطان البروستاتا، ذلك الأب الذي أحببته حباً يفوق الوصف، والذي لم يكن بالنسبة لي أباً فقط، بل كان الصديق والرفيق والسند الحقيقي في هذه الحياة. أُجريت له عملية جراحية بعد أن كان المرض قد انتشر في منطقة الحوض، وكنت قد أوصيت أهلي ألا يخبروني إذا توفي، لأنني كنت أعلم أنني إن عدت من موريتانيا إلى سوريا فلن أستطيع الرجوع مرة أخرى.
كنت يومها الشخص الوحيد الذي يعمل ويعيل سبعة عشر إنساناً بين طفل وامرأة لا معيل لهم. وكان راتبي في سوريا لا يكفي حتى لسد الحد الأدنى من احتياجات عائلتي وعائلة والدي معاً.
وفوق ذلك، كنت قد أنهيت عقدي الجديد مع الدولة الموريتانية، بعد أن سبق وأن أنهيت عقدي الأول عام 1978م، وكنت ملزماً بتصفية كل أموري الرسمية وتسليم المنزل والمفروشات التابعة للعمل.
أما الدخول في مشروع فيلم سينمائي، فكان يعني أشهراً طويلة من التصوير والتنقل، وربما التأجيل والعقبات والمصاريف غير المتوقعة.
جلست يومها أوازن بين الإيجابيات والسلبيات…
بين الحلم والواقع…
بين الفن والمسؤولية…
وبين القلب والعقل.
وفي النهاية، اخترت ألا أوافق على المشروع.
مرت السنوات…
وكلما تذكرت تلك الفرصة شعرت بشيء من الندم. ربما لو وافقت لكانت تلك بداية انطلاقة فنية خارج موريتانيا، وربما كان الفيلم سيحقق نجاحاً كبيراً، وربما لا يحقق أي نجاح على الإطلاق… لكن مجرد وجود فيلم سينمائي أكون أنا بطله، مصوراً في مختلف المناطق الموريتانية ومعالمها الأثرية، كان سيبقى ذكرى لا تُقدّر بثمن.
أحياناً أشعر أنني أضعت فرصة جميلة لن تتكرر.
لكنني، بعد كل هذا العمر، أصبحت أؤمن أن الإنسان لا يرى دائماً الصورة كاملة، وأن الخير قد يكون فيما لم يحدث، كما يكون أحياناً فيما حدث.
ولذلك، كلما عاد إليّ ذلك الندم، أقول لنفسي مطمئناً:
لعلّ الخير فيما اختاره الله.
