السياب في مئويته.. الرباط تحتفي بشاعر رحل قبل أن يكتمل

السياب في مئويته.. الرباط تحتفي بشاعر رحل قبل أن يكتمل

لم يعش الشاعر العراقي الراحل بدر شاكر السياب سوى ثمان وثلاثين سنة (1926-1964)، لكن الندوة التي خصصها له المعرض الاثنين، ضمن دورته الـ31، أكدت أن ما تركه يفوق العمر، وأن مئويته ليست مناسبة بروتوكولية، بل فرصة لإعادة قراءة ما زال الزمن يمدها

في قاعة "الشريف الإدريسي"، اجتمع شعراء ونقاد من المغرب والعراق ليفتحوا دفتر السياب من جديد من رومانسيته الأولى، مرورا بانعطافاته المؤسسة، إلى قصائده الأخيرة التي كتبها وهو يتآكل تحت ضغط المرض والمنفى الداخلي.

"كان حقيقيا لدرجة أنه يشبه نفسه"

افتتح الجلسة الشاعر العراقي عمر السراي بصياغة تختصر الكثير، إذ وصف السياب بأنه "كان حقيقيا لدرجة أنه يشبه نفسه حين يكتب"، معتبرا إياه شاعرا "يكتب من قلبه إلى الآخرين" دون أقنعة ولا حيل.

ورسم السراي للسياب قوسا بدأ رومانسيا، متأثرا بـ"مدرسة أبولو" التي ضمت اللبناني إلياس أبو شبكة والمصريين علي محمود طه وأحمد زكي أبو شادي، ثم انتهى عند ما سماه السراي "ذاتية مجردة"، حين -على حد تعبيره- "هزت شجرة السياب أوراقها وثمارها فبانت فروعها". صورة تستعير من الطبيعة لتقول إن الشاعر الناضج هو الذي يتعرى من زخارفه إلى ما تبقى.

 

شاعر الوصل والفصل

أما الشاعر والناقد المغربي محمد بودويك فأضاف إلى هذه القراءة بعدا تاريخيا أوسع. فالسياب، رغم عمره القصير، "عطف بالشعر العربي منعطفا آخر"، حتى صار تاريخ نشر قصيدته الأشهر "أنشودة المطر" حدا بين زمنين، فاصلا وواصلا معا. ومن هنا وصفه بودويك بأنه "شاعر الوصل والفصل".

ولفت إلى أن السياب "بحكم عبقريته الفذة، استطاع أن يمنح أبعادا جديدة للشعر الرومانسي" حتى قبل ظهور "أنشودة المطر"، تلك القصيدة التي وصفها أدونيس بـ"القصيدة العملاقة". وصف لم يأت مجانا؛ فقصيدة واحدة بدلت معجم القرن، ونقلت السياب من خانة شاعر مجدد إلى خانة من أسسوا حداثة القصيدة العربية.

 

ينسب مؤرخو الأدب الحديث إلى السياب ومعاصريه -أبرزهم نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي- الفضل في إخراج القصيدة العربية من قوالبها التقليدية في منتصف القرن العشرين، وفي تجديد معجمها وإيقاعها وصورها بانتقالها من العمود الخليلي إلى التفعيلة الحرة.

 

قصيدة سابقة لزمانها

لكن المداخلة الأحدث جاءت من الكاتبة والناقدة المغربية حورية الخمليشي، التي قرأت "أنشودة المطر" بعدسة معاصرة. القصيدة -بحسبها- "سابقة لزمانها"، فقد جاءت "منفتحة على الفنون البصرية المتعارف عليها في عصرنا الحالي، من تصوير ضوئي وسينما وفيديو" -عبر صورها الشعرية طبعا- ومنفتحة على الموسيقى بإيقاع بهي، يذكرها بصدى الكلمة الواحدة المتكررة المشبعة بفعل الإمطار.

ووصفت الخمليشي العلاقة بين النص والفنون المعاصرة بأنها "علاقة عناق وتفان وتواشج"، معتبرة ذلك دليلا على "عالمية السياب وقصيدته التي لا تزال حية وقادمة من المستقبل الشعري". وختمت بإحدى أكثر العبارات تكثيفا في الندوة: "هي قصيدة غيرت مجرى الشعر العربي".

ابن بطوطة شخصية المعرض

تستمر الدورة الحادية والثلاثون من معرض الرباط الدولي للنشر والكتاب حتى 10 مايو/أيار، بمشاركة 891 عارضا من 61 دولة، وبرنامج ثقافي يتجاوز 200 فعالية.

ضيف الشرف هذا العام الرحالة المغربي ابن بطوطة، الذي اختاره المعرض شخصية محورية لدورته، في تجاور دلالي لافت: رحالة القرن الرابع عشر، وشاعر القرن العشرين، يلتقيان تحت سقف واحد. كلاهما خرج من مكانه الأول بحثا عن أفق أوسع. وكلاهما عاد، بعد قرون أو عقود، ليُقرأ من جديد.

وتبدو العودة إلى السياب، تذكيرا بأن الشعر -حين يخرج من قلب صادق- لا يموت بموت صاحبه؛ فالسياب رحل عن ثمان وثلاثين سنة، لكن مطره، كما تقول الخمليشي، "لا يزال قادما من المستقبل".

المصدر: الجزيرة + رويترز