من العبور إلى الحقول.. كيف أصبح المغرب وجهة عمل لمهاجري أفريقيا؟

من العبور إلى الحقول.. كيف أصبح المغرب وجهة عمل لمهاجري أفريقيا؟

فجوة كبيرة في الأجور داخل القطاع الزراعي بين العمال المحليين والعمال المهاجرين - جيتي

 

 

لندن – عربي21

يشهد المغرب خلال السنوات الأخيرة تحوّلًا تدريجيًا في طبيعة الهجرة القادمة من دول أفريقيا جنوب الصحراء، حيث لم يعد البلد مجرد محطة عبور نحو أوروبا كما كان في السابق، بل بات في حالات متزايدة وجهة إقامة وعمل، سواء بشكل مؤقت أو طويل الأمد، خصوصًا في القطاع الزراعي الذي يعتمد بشكل متصاعد على العمالة المهاجرة.

وبحسب وكالة رويترز، فإن تغيرات أوسع في أنماط الهجرة داخل المغرب، حيث ترتبط بعوامل اقتصادية وديموغرافية، إلى جانب تشديد الرقابة على الحدود البحرية في البحر المتوسط، وتزايد التعاون بين الرباط وشركائها الأوروبيين في إدارة ملف الهجرة غير النظامية.

 

من بلد عبور إلى بلد إقامة
 

على مدى عقود طويلة، ارتبط اسم المغرب بكونه محطة رئيسية للمهاجرين القادمين من دول غرب ووسط أفريقيا في طريقهم نحو أوروبا، سواء عبر السواحل الشمالية أو عبر جيبي سبتة ومليلية الخاضعين للإدارة الإسبانية.

غير أن هذا النمط بدأ يتغير وبات المهاجرون يختارون البقاء داخل المغرب، إما نتيجة صعوبة الوصول إلى أوروبا أو بسبب توافر فرص عمل محدودة داخل البلاد، خاصة في المناطق الزراعية.

ودفع تشديد الرقابة على المعابر البحرية، إلى جانب المخاطر المرتفعة للعبور عبر البحر المتوسط، الكثير من المهاجرين إلى تغيير مسارهم من "الهجرة العابرة" إلى "الاستقرار القسري أو شبه الدائم" داخل المغرب.

وبحسب بيانات صادرة عن المنظمة الدولية للهجرة أن هذا التحول يظهر بشكل واضح في مناطق الجنوب والمدن الكبرى، حيث بدأ المهاجرون في الاندماج داخل أنشطة اقتصادية مختلفة بدل الاكتفاء بمحاولة العبور.

وأوضحت المنظمة الدولية للهجرة أن أنماط الحركة داخل المغرب تغيرت بشكل ملحوظ خلال العقد الأخير، مع تزايد عدد المهاجرين الذين يستقرون في البلاد نتيجة صعوبة الوصول إلى أوروبا من جهة، ووجود فرص عمل محدودة لكنها متاحة داخل بعض القطاعات مثل الزراعة والخدمات غير الرسمية من جهة أخرى.

كما أشارت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى أن عددًا من المهاجرين القادمين من دول غرب ووسط أفريقيا يجدون أنفسهم في حالة “تعليق” داخل المغرب، حيث لا يتمكنون من التقدم شمالًا ولا العودة جنوبًا، ما يدفعهم تدريجيًا إلى البحث عن سبل للبقاء، وعلى رأسها العمل داخل الاقتصاد المحلي مهما كانت طبيعته أو ظروفه.

 

الزراعة في سوس
 

يبرز في منطقة سهل اشتوكة بإقليم سوس–ماسة جنوب المغرب، القطاع الزراعي كأحد أكثر القطاعات اعتمادًا على العمالة القادمة من أفريقيا جنوب الصحراء، حيث تمتد آلاف الهكتارات من البيوت البلاستيكية التي تستخدم في إنتاج الطماطم والفلفل والخضروات الموجهة للتصدير نحو الأسواق الأوروبية بشكل أساسي، حيث يعمل داخل هذه الحقول عدد كبير من العمال الذين لا ينتمون إلى المنطقة ولا يحملون في الغالب وثائق إقامة نظامية.

وأشار بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن القطاع الزراعي المغربي، خاصة في المناطق الموجهة للتصدير، يعتمد بشكل متزايد على العمالة الموسمية، في ظل تراجع اليد العاملة المحلية نتيجة التحول الديموغرافي والهجرة من الريف إلى المدن.

وأصبح هذا الاعتماد أكثر وضوحا في المناطق الجنوبية التي تحتاج إلى كثافة عمالية عالية خلال مواسم الزراعة والحصاد.

كما أوضحت تقارير ميدانية نشرتها وكالة رويترز أن مزارع سهل اشتوكة باتت تعتمد بشكل كبير على العمال المهاجرين في العمليات اليومية بدءًا من الزراعة مرورًا بجني المحاصيل وصولًا إلى الفرز والتعبئة، وهو ما جعل هذه الفئة جزءًا أساسيًا من سلسلة الإنتاج الزراعي في المنطقة.

 

نقص العمالة المحلية والهجرة من الريف إلى المدن
 

أشارت بيانات البنك الدولي إلى أن المغرب شهد خلال العقود الأخيرة تحولا كبيرا في توزيع السكان بين الريف والمدن، حيث تزايدت الهجرة الداخلية نحو الحواضر الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة، ما أدى إلى انخفاض واضح في حجم اليد العاملة الزراعية داخل المناطق الريفية.

كما أوضح تقارير البنك الدولي حول المناخ في المغرب أن فترات الجفاف المتكررة أثرت على النشاط الزراعي التقليدي في عدد من المناطق، ما ساهم في تسريع خروج السكان من القرى نحو المدن بحثا عن فرص اقتصادية أكثر استقرارًا.

ومن جانبها قالت منظمة الأغذية والزراعة أن التداخل بين العوامل المناخية والاقتصادية أدى إلى تراجع استقرار المجتمعات الريفية، وهو ما انعكس على سوق العمل الزراعي الذي أصبح يعتمد بشكل متزايد على العمالة الخارجية لتعويض النقص المحلي.

 

قصص عمال مهاجرين داخل الحقول المغربية
 

في أحد حقول سهل اشتوكة، يعمل شاب من توغو يبلغ من العمر 23 عامًا داخل البيوت البلاستيكية " الصوب" لجني الطماطم والخضروات، بعد أن انتهت رحلته نحو أوروبا داخل المغرب إثر توقيفه خلال محاولة عبور نحو الشمال.

وتشير وكالة رويترز إلى أن هذه الحالات أصبحت أكثر تكرارًا خلال السنوات الأخيرة، حيث يتحول مسار الهجرة من محاولة الوصول إلى أوروبا إلى الاستقرار والعمل داخل المغرب بشكل غير مخطط، خاصة في المناطق الجنوبية التي توفر فرص عمل موسمية داخل القطاع الزراعي.

وأوضحت شهادات ميدانية نقلتها تقارير إعلامية دولية أن بعض هؤلاء العمال يقبلون بأجور يومية منخفضة نسبيا مقابل الاستمرار في العمل داخل المزارع، رغم الظروف المعيشية غير المستقرة التي تشمل في بعض الحالات السكن المؤقت أو النوم في أماكن مفتوحة بالقرب من مواقع العمل.

 

استقرار تدريجي لبعض المهاجرين
 

استقر بعض المهاجرين القادمين من دول مثل السنغال ومالي وغينيا في المغرب منذ سنوات طويلة، وأصبحوا جزءًا من سوق العمل الزراعي في مناطق الجنوب، خاصة في سوس–ماسة، حيث يعملون بشكل منتظم داخل المزارع، وجاء تدريجيا نتيجة طول فترة البقاء داخل البلاد وعدم القدرة على مواصلة الرحلة نحو أوروبا.

وأوضح تقارير صادرة عن منظمة هيومن رايتس ووتش أن جزءًا من هؤلاء العمال يعيش في أوضاع معيشية غير مستقرة، خاصة فيما يتعلق بالسكن والوصول إلى الخدمات الأساسية، رغم استمرار عملهم داخل القطاع الزراعي لسنوات طويلة.



 

فجوة الأجور داخل القطاع الزراعي
 

أوضحت منظمة العمل الدولية وجود فجوة كبيرة في الأجور داخل القطاع الزراعي بين العمال المحليين والعمال المهاجرين، حيث يقبل المهاجرون في كثير من الحالات بأجور أقل نتيجة محدودية الخيارات المتاحة أمامهم داخل سوق العمل.

وتوضح تقارير مهنية أن هذا الفارق في الأجور ساهم في زيادة اعتماد أصحاب المزارع على العمالة المهاجرة، خاصة خلال فترات الذروة الزراعية التي تتطلب عددًا كبيرًا من العمال في وقت قصير، ما يجعل توفر اليد العاملة عاملًا حاسمًا في استمرارية الإنتاج.