الموريتانيون ومَلْحَمَة بناء الدولة

الموريتانيون ومَلْحَمَة بناء الدولة

 محمد المنى

 

كيف يمكن الوصول إلى جذور المعضلة السياسية في الفضاء الصحراوي الموريتاني؟ وهل يمكننا مساءلةُ التاريخ عن الأساس الجوهري لهذه المعضلة متجسداً في إشكالية غياب الدولة عن أديم هذا الفضاء الصحراوي؟
مِن حسن الصدف أنه في الوقت الذي ذكّرني الفيسبوك بزيارة كنتُ قد أديتُها إلى معرض أبوظبي الدول للكتاب، قبل سبع سنوات من الآن، وتشرفتُ خلالها بحضور حفل توقيع الأستاذ محمد محمد علي كتابَه الصادرَ في حينه، وعنوانُه «تأثير الفقه الإسلامي في القانون الدولي والقوانين الغربية»، فقد علمتُ اليوم أيضاً بانتهاء طباعة كتابه الجديد الموسوم «الموريتانيون والصحراء.. ملحمة بناء الدولة» (157هـ/ 774م – 1447هـ/ 2026م).
والأستاذ محمد محمد علي باحث ومترجم دولي وخبير لغات مبرّز، كتَبَ مقالاتٍ منتظمةً في عدة صحف خليجية، لديه كُتبٌ وإصداراتٌ مهمة، سبق أن عرضتُ منها في هذه الصفحة أربعة مؤلفات قيّمة للغاية، هي: «الجهاد.. مفهومه وأسبابه وشروطه»، «الإعلام الغربي والإسلام»، «تأثير الفقه الإسلامي في القانون الدولي والقوانين الغربية»، و«اللغة العربية في التاريخ الإنساني». وكانت الثلاثة الأولى منها بحجم موسوعي يتجاوز 800 صفحة، شأنها شأن كتابه الأحدث «الموريتانيون والصحراء..»، والذي يأتي في 700 صفحة، ويصدر في غضون أيام عن إحدى دور النشر القاهرية.
وكما يوضح لنا الكتاب، فإن المحاولة الأولى لتكوين دولة في الصحراء، تعود إلى عام 157هـ/ 774م عندما وَطَّدَ الملك اللمتوني تِيُّولُتَان أو يتلُوتان، بعد أبيه تلكاكين مملكة أودغست القوية. ومنذ ذلك التاريخ التقريبي انطلقت ملحمة كبرى خاضتها صنهاجة لبناء دولة في هذه الصحراء القاحلة القاسية. ثم توالت المحاولات في عهد المرابطين الذين أسَّسوا رباطهم بالقرب من نواكشوط، لكنهم اتَّجهوا شمالًا، مُهمِلين صحراءَهم قبل أن يعودَ إليها أميرُ المرابطين أبو بكر بن عمر، عقب انقسام دولتهم إلى قسمين، شمالي وجنوبي، حيث تَوَلَّى هو قيادة القسم الجنوبي مُتخلياً لابن عمه يوسف بن تاشفين عن الشمال.
أراد أبو بكر بناء دولة في الصحراء، لكن مشروعه دُفِن معه في رمالها بعد تجربة مضطربة لخلفائه. وإثر ذلك تمزَّقت «الدولة» وتقاسم البلادَ أربعةُ أمراء استبدَّ كلٌّ منهم بجزء منها مُشكِّلين إمارات أو مشيخات ضعيفة لم تلبث أن حلَّت محلها أو اندمجت فيها مجموعات صنهاجية أخرى بعد انهيار دولة المرابطين في الشمال على أيدي الموحِّدين. وظلت هذه الإمارات تحكم البلاد متفرقةً إلى أن تغلَّب على جزء كبير منها بنو حسان الذين أسَّسوا كيانات اختصَّ كلٌّ منهن بجزء من البلاد، فلم يستطيعوا هم أيضاً توحيدَها حتى عَصَف بها الاستعمار الذي لم يهتم ببناء دولة مركزية قوية في هذه الصحراء. ثم يأتي الاستقلال ليبدأ أحفادُ المرابطين مَلْحَمَةً جديدة سعياً لبناء دولة قوية في أرضهم. لكنهم، كما يبين المؤلف، ما يزالون عاجزين عن تحقيق هذا الهدف على نحو مَرْضِيٍّ، رغم أن أسلافهم استطاعوا بسهولة نِسْبِيَّة بناءَ دولة مركزية قوية في الشمال. فما أسبابُ عجز المرابطين وأحفادهم عن بناء دولة مركزية فعالة وترسيخ مفهومها في بلدهم الأصلي؟
يسعى الكتاب للإجابة عن هذا السؤال المركزي، المتعلق بالتاريخ السياسي وبناء الدولة منذ الممالك الصنهاجية الأولى مروراً بالمرابطين ثم الإمارات الحسانية حتى اليوم.
لكن التاريخ الموريتاني لم يُكتَبْ بعدُ، أو بالأحرى لم يكتب بالطريقة الْمَرْضِيَّة. ولندرة الوثائق المدوَّنة والآثار التاريخية ذات الصلة، لا يكاد الباحثون يجدون أمامهم سوى الروايات الشفهية المتضاربة في أغلب الأحيان والتي لا تخلو من النفَس الأسطوري المهيمن. وهذا الإهمالُ غيرُ المسوَّغ لكتابة التاريخ الموريتاني، يقول المؤلف، أَلحق بتراث البلد ضَرَراً جسيماً ظلَّ المؤرخون المعاصرون يعانُونَه.
وبسبب هذا ‹‹الفراغ الوثائقي››، كما أسماه الراحل جمال ولد الحسن، فإن جزءاً كبيراً من مجال هذه الدراسة هو «بيداء ليس فيها معالِمُ ولا آثارٌ يَستدِلُّ بها الباحث على وُجْهته، فيظل تائهاً في مجاهلها ضائعاً في وِهَادِها غارقاً في بحر رمالها، رَجَاءَ أن ينكشف له أَثَرٌ يتبعه أو مَعْلَم يُوجِّهه أو ضوءٌ يُنِير سبيلَه. وإذَا لم يكن خِرِّيتاً ماهراً فسيضل طريقَه ويَتيه في مَفازات هذه الصحراء الصَّحْصَحِ البعيدة الأكناف والمتسعة الأطْرَاف».
وبالطبع ليس مِن همِّ المؤلف هنا كتابة التاريخ، وإنما إضاءة جانب منه يتعلق ببناء الدولة ومؤسساتها، منطَلِقاً من إشكالية كبرى: لماذا نجح المرابطون في بناء دولة أو إمبراطورية في شمال الصحراء امْتَدَّت إلى الأندلس بينما أخفقوا هم وأحفادُهم في بناء دولة مركزية فعالة في الصحراء التي انطلقوا منها؟
وفي إجابته، يفترض المؤلف أن ثمة عوامل أساسية أربعة تضافرت واجتمعت فمَنَعَتْ قيامَ الدولة ومؤسساتها: الصحراء، والقبيلة، والفقر، والفساد. لكنه لا يعتبر أن هذه العوامل، منفردةً أو مجتمعةً، تُكوِّن عقبة مطلقة، وإنما تَكُون كذلك إذَا فُقِدت الإرادة والرؤية، لأن إرادة الإنسان تُزِيح العقبات.
يقسِّم المؤلفُ كتابَه إلى ثلاثة عشر فصلا ومقدمة وخاتمة، وفيها يتناول «موريتانيا.. نبذة عامة»، «صنهاجة الأصول والمجال»، «محاولات متكرِّرة لبناء دولةِ صنهاجةَ»، «المرابطون.. بناء دولة فعالة في الشمال وعجز في الجنوب»، «الدولة الموريتانية بعد أبي بكر بن عمر»، «مجموعات صنهاجية ذات نفوذ سياسي وروحي»، «حرب شُرْبُبَّه – تَشَكُّل الإمارات الحسانية – السيبة»، «الدولة الموريتانية في عهد الاستعمار»، «الدولة الموريتانية المستقلة»، «نظام الحكم والأحزاب والإدارة المحلية والمجتمع المدني»، «الدولة الموريتانية بين الوجود المادي والغياب المعنوي»، «الصحراء والقبيلة والفقر والفساد»، «تَصوُّر لبناء دولة قانون ومؤسسات».
وفي ختام كتابه أراد المؤلف أن يجعل خاتمتَه قصيرةً جدّاً، إشفاقاً على القارئ العربي عامة والموريتاني خاصة، لأنه لا يقرأ، فجاءت في ثلث صفحة، وهذا نصها:
«أردنا لهذه الخاتمة أن تكون قصيرة جدًّا. فنحن ندرك أن كتابًا ضخمًا كهذا لن يَحظَى بنصيب كبير من القراءة في منطقة لا تقرأ. لذا، وإشفاقًا مِنَّا على القُرَّاء وحرصًا على وقتهم الثمين، ها نحن أولاءِ نُلخِّص لهم في كلمات قليلة رُؤيَتَنا المؤلَّفة من أَحَدَ عَشَرَ عنصرًا للنهوض بالدولة الموريتانية.
الخلاصة التي وصلنا إليها هي أنه إذَا أرادت النخب الموريتانية النهوض بهذه البلاد التي عانى شعبُها كثيرًا، فمفتاح ذلك هو:
أولا – التعليم وتسخير معظم الميزانية له. ثانياً – تخصيص 2% من الناتج المحلي الإجمالي للبحث العلمي في المجالات الحيوية مثل التعليم، والعلوم الاجتماعية، والزراعة، والمعادن، والطاقة، والصناعة، والتكنولوجيا. ثالثاً – بناء ديمقراطية حقيقية ومؤسسات دستورية مستقلة. رابعاً – قضاء مستقل. خامساً – غرس ثقافة التسامح. سادساً – ترسيخ حكم القانون ليكون فوق الجميع. سابعاً – بناء جيش وطني جمهوري على نحو ما بيَّنا. ثامناً – محاربة جادة للفساد والفقر ضمن استراتيجية واحدة. تاسعاً – التخلص من القبليَّة والشرائحية والفئوية. عاشراً – التعيين في الوظائف الحيوية على أساس الجدارة والنزاهة. حادي عشرَ – وهو شرطُ الكل: بناءُ إرادة التغيير، فبدونها لن يتحقق شيء مِمَّا ذُكِر».