بالإضافة إلى تدريسه في الجامعة الجزائرية على مدار أربعة عقود، متخصصا في الأدب الأندلسي الذي بات اسمه يحيل عليه، فقد أصدر ما يزيد على 40 كتابا في الشعر والرواية والترجمة والتحقيق والدراسات والنقد، فتشكلت لديه سيرة إنسانية وإبداعية وأكاديمية مثيرة، لملم كثيرا من فصولها ومفاصلها في كتاب صدر جزؤه الأول مؤخرا عن "دار خيال" في الجزائر تحت عنوان "مسيرة حياة".
اقرأ أيضا
الجزيرة نت أجرت مع الشاعر والروائي عبد الله حمادي هذا الحوار.
ذكرت في افتتاحية كتاب "مسيرة حياة"، أنك ترددت طويلا في كتابة سيرتك، ثم قررت الانتصار على التردد. ما الذي حملك على التردد، ثم على الكتابة؟
ترددت كثيرا في كتابة سيرتي الذاتية لسبب بسيط كوني لست من كتاب السير الذاتية ولا من قرائهم. بالتالي فإن هذا النوع من الفنون الأدبية غريب عن اهتماماتي، ولم يخطر على بالي في يوم من الأيام أنني سأقتحم هذا النوع من الفن الأدبي الذي يمتاز بالذاتية ويبتعد عن الموضوعية.
فحين أعدت النظر في مسيرة حياتي لم أر فيها ما يستحق الذكر لكون معظمها يتعلق بحياتي الخاصة التي لم تكن فاعلة في ما كان يحيط بها من أحداث عشتها أو كنت شاهدا على حدوثها.
لكن شدني في العديد من المناسبات إلحاح بعض الزملاء من الأدباء أو المدرسين الذين رافقوا مسيرتي الجامعية والثقافية الطويلة، وما عرفوا عني من مغالبة لكثير من الظروف، فكان إلحاحهم يشجعني على اقتحام التجربة التي وإن بدت ميسرة لكونها استرجاعا لذكريات، ومحاولة لكشف بعض الخبايا، إلا أنها تبقى عصية على الاستحضار وضنينة بملء الفراغات التي يسعى الكاتب إلى استنطاقها وجعلها شفافة نقية، صريحة وجريئة بقول ما يجب والسكوت عما لا يجب.

أدب السيرة الذاتية غريب عن ثقافتنا العربية، وقد استقيناه من الغرب كالمسرح والرواية، لكنه بات فنا مستحبا لما يكتنزه من عبر
في الوقت الذي جعلت فيه مواقع التواصل الاجتماعي حيوات الناس مباحة، ظل أدب السيرة واليوميات والمذكرات نادرا في المشهد الأدبي العربي. كيف تقرأ هذا المعطى؟
كان هذا المعطى من المثبطات قبل إقدامي على مثل هذه المغامرة، لأن أدب السير الذاتية هو أدب غريب عن الثقافة العربية، وقد استقيناه من الآداب الغربية كما استقينا الرواية والملاحم والمسرح، لكنه بات من الفنون المستحبة لدى القراء، لما يكتنزه من تجارب وعبر إنسانية.
كتبت ونشرت ما يزيد على 40 كتابا في مختلف الحقول الأدبية على مدار أربعة عقود ونصف. أي مذاق لكتابة السيرة بالمقارنة مع مذاقات الكتابات الأخرى؟
أرى هذا الكتاب في حكم التتويج لمسار طويل ناهز نصف قرن من الزمن كان كله عراكا دائما مع الكلمة والأفكار، حتى مكنتني في النهاية من رصد هذا المسار الذي توقفت فيه عند عتبة عام 1980 تاريخ تخرجي من جامعة مدريد المركزية بشهادة دكتوراه الدولة.
ولما وجدت هذا الجزء تجاوز 600 صفحة أجلت الحديث عن مسيرتي الثانية إلى أجل مسمى قد تمنحني الأيام الفرصة المواتية لاستحضارها، وهي مرحلة حياتي كأستاذ بالجامعة وكمشارك في الحياة الثقافية الجزائرية والعربية.
قلت إن حياتك لم تكن شرقية ولا غربية. هل عنيت بذلك الهوية الجزائرية التي يرى البعض أنها ثمرة حضارية للضفتين، أم عنيت كونك شرقيا درس ودرّس آداب الغرب؟
قلت ذلك لأن مسيرة حياتي الثقافية انطلقت منذ بداياتها من التعلم بلغتين، ثم توالت علي لغات أخرى، بالتالي فمشاربي هي ثمرة هذه الثقافات التي لا يمكن تصنيفها بالشرقية ولا الغربية، بل يمكن القول إنها ثمرة تفاعل مناهل مختلفة.
قد تكون شخصيتي الثقافية شبيهة بأرض الجزائر التي تعاقبت عليها الحضارات المختلفة، ولكل منها نصيب في تشكيل هويتها الراسخة والثابتة التي نراها اليوم، والتي تعمل بعض الأطراف على تحييدها نحو الانعزالية المقيتة والانغلاق المفضي بها إلى التقوقع والانغلاق.
والشيء الواضح في هذا المعترك الرهيب هو دوام الجزائر على هذه الحال التي جعلت منها واسطة العقد، وحاملة لمشروع حضاري ساهمت فيه عبقريات متعددة المناهل والمشارب.

شخصيتي الثقافية تشبه أرض الجزائر التي تعاقبت عليها الحضارات، فكانت واسطة العقد وحاملة لمشروع حضاري ساهمت فيه عبقريات متعددة المناهل
كيف تفسر كثرة حديث العرب المعاصرين عن الأندلس، في مقابل ندرة باحثيهم في تاريخها وآثارها وآدابها؟
كنت لا أعرف عن الثقافة الإسبانية شيئا يذكر كمعظم الجزائريين بل كمعظم العرب، ولا أذكر أن أستاذا فرنسيا أو عربيا حدثنا عن الأدب الإسباني في الجامعة؛ إذ كان الأدبان البريطاني والفرنسي مهيمنين على ثقافتنا وجامعاتنا، فكان وجودي بإسبانيا كأول طالب جزائري يتخصص في الأدب الأندلسي في حكم الفتح الشخصي والثقافي.
لقد وجدت نفسي في مواجهة الأدب الإسباني ومن ورائه أدب أمريكا اللاتينية، حيث اندلعت أحداث تشيلي وما أعقبها من إطاحة بزعيمها الاشتراكي سلفادور أليندي، وظهور شاعر تشيلي الأكبر بابلو نيرودا الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في تلك الأحداث التي كان لها الفضل في الزج بي في أعماق الشعر الإسباني وشعر أمريكا اللاتينية؛ ومنها اكتشفت عظمة لوركا وماتشادو وماركيز وغيرهم، مما زج بي أيضا في عالم الترجمة.
من ترجماتك كتاب "مقاربة من دون كيشوت" لمارتين دي ريكار، عام 2017. ألا ترى أن رواية دون كيشوت لم تؤثر كثيرا في الأدب الجزائري/ المغاربي رغم أنها انبثقت من هذا الفضاء؟
لم يكن الأدب الإسباني معروفًا في الجزائر لا في المرحلة الاستعمارية التي طمست ما دونها ولا في مرحلة الاستقلال، فمن أين للجزائريين أن يعرفوا أن الكاتب الإسباني ميغيل ثيربانتس عاش في بلادهم أسيرًا أيام الحكم العثماني لها، حيث قضى في سجون مدينة الجزائر خمس سنوات ونصفًا، وألهمته الجزائر الكثير من موضوعات مسرحياته ورواياته؟
إن السلطة الاستعمارية لقنت أجيال الجزائر في مدرستها العنصرية أن أوروبا تنتهي عند جبال البرانس وما دونها فهو إفريقيا. فكان من الطبيعي أن يظل الأدب الإسباني مجهولاً لدى جيلي. وكنت أول من أدخل فصولاً منه، من ذلك كتابي "غابرييل غارسيا ماركيز رائد الواقعية السحرية" الذي نُشر شهورًا بعد حصوله على جائزة نوبل عام 1982، وهو عبارة عن ترجمة لحوار دار بين ماركيز وصديقه الروائي بلينيو مندوزا، حيث ظهر لأول مرة مصطلح الواقعية السحرية.
جراح الذاكرة وندوب الطفولة
ذكرت هجرة شطر من أسرتك مطلع القرن العشرين إلى حلب ثم العودة إلى الجزائر بعد الحرب العالمية الثانية. هل كانت هذه هي خلفية توجهك لاعتناق الأدب الأندلسي؟
أشهد أنني بذلت جهدًا فرديًا لمعرفة حيثيات هذا الأدب وتاريخ نشأته والتطور الذي عرفه عبر العصور، ثم صادف أن منحتني وزارة التعليم العالي الفرصة لأكون أول طالب في تاريخ الجزائر المستقلة يتخصص في هذا المجال.

أسهبت في رصد معاناة العائلة في الزمن الفرنسي، بما يشي أنه خلف ندوبًا في روحك. هل إلى هذا الحد ظل الطفل فيك مشدودًا إلى جراحاته؟
كانت طفولة لفها التشرد والاغتراب وعدم الاستقرار، حيث هاجرت عائلتي طويلاً إلى الشام اقتداء ببطل المقاومة الجزائرية الأمير عبد القادر، ثم إلى تونس أيام حرب التحرير، فشكل ذلك التشرذم الهاجس المركزي لسيرتي.
لقد حاولت جمع شتات الذاكرة المنسية، وسنوات الغربة والتشرد، ومعاناة مفارقة الوطن بسبب التهجير القسري، ومعاناة سنوات الانتظار.
في المقابل؛ يظهر للقارئ تحفظك تجاه ما يتعلق بتجاربك العاطفية الأولى، فكأنك تنظر إليها في سياقك اليوم لا في سياقها بالأمس. إلى أي مدى غلب التحفظ على العفوية والصراحة في كتابة هذه السيرة؟
أدب السيرة الذاتية حديث عهد في الثقافة العربية الإسلامية، وهو من الدخيل غير المتعارف عليه في تاريخنا الأدبي، وهذا لا يعتبر منقصة في حد ذاته، بل هو خصوصية تعود لأعراف مجتمعية متباينة.
لقد حاولت أن أستحضر في الكتاب ما يشمل الرأي العام، أما ما هو حميمي، فقد نجد أنفسنا أحيانًا ضحية التحفظ، فنصادر العفوية التي فينا.
كنت أول طالب جزائري يتخصص في الأدب الأندلسي بمدريد.. هناك اكتشفت أن ثيربانتس ألهمته الجزائر موضوعات مسرحياته أثناء أسره فيها

يجد القارئ نفسه في مواجهة لغة شعرية ونفس روائي، فكأنك استدعيت الشاعر والروائي فيك، لتنتقم لهما من الباحث والمترجم والأكاديمي الذي أخذ منهما وقتا أكثر. هل هذا صحيح؟
عندما نستنطق تفاصيلنا الخاصة فليس كما نستنطق بعض تفاصيل التاريخ أو الأحكام النقدية التي تحتاج إلى دليل مقنع.
كم وجدت نفسي وأنا أرصد تفاصيل حياتي ثانيا من عناني كالحصان الجموح، أركض لتدارك المسافات واستحضار الزمن الماضي، وقد لا أكون مبالغا إذا قلت لك إنني استطعت استحضار الأحداث البعيدة بيسر وجاذبية في أحيان كثيرة أيسر من استحضار أحداث قريبة استعصى علي الإلمام بتفاصيلها ومكان حدوثها؛ إن للذاكرة البشرية أسرارها ومنطقها.
بدوت شغوفا بتحقيق كتب الرحلة. هل ننتظر أن تكتب رحلاتك بعد أن كتبت سيرتك؟
اشتغلت كثيرا على موضوع أدب الرحلة في مسيرتي الجامعية وكنت أول من هيأ لهذا النوع من الإبداع الأدبي دفعة بقسم الآداب بجامعة قسنطينة أطلقت عليها تسمية "دفعة أدب الرحلات"، فكانت ثمرتها تخرج مجموعة من الطلاب الذين نال بعضهم جائزة أدب الرحلة.
تمكنت خلال هذه المرحلة من اكتشاف رحلة الشهيد محمد الزاهي التي حملت عنوان "رحلة من باريس إلى قسنطينة عام 1938″، ثم إن تعلقي بأدب الرحلة نابع من كونه إضافة مغاربية في الأدب العربي تفوق فيها المغرب على المشرق.
ولما كانت حياتي العلمية محفوفة بالأسفار سواء للدراسة أو المشاركة في الملتقيات الأدبية والفكرية، فأنا أفكر في ركوب هذا المنحى.
