جامعات العالم تستعد لاستقبال العلماء المهاجرين من الولايات المتحدة

جامعات العالم تستعد لاستقبال العلماء المهاجرين من الولايات المتحدة

 

الحرية الأكاديمية تعد شرطاً أساسياً للتقدم العلمي (شترستوك)

 

أحمد عادل السعودي

منذ نحو عام، أطلقت جامعة إيكس مارسيليا الفرنسية مبادرة "مكان آمن للعلوم" لاستقبال العلماء من الولايات المتحدة نتيجة للقرارات التي اتخذتها إدارة الرئيس ترامب، ومنها تخفيضات الميزانية الهائلة التي أثرت على البحث العلمي وجعلت كثيرا من العلماء يفكرون في مغادرة الولايات المتحدة في أزمة علمية لم تحدث من قبل.

وخلال أسبوع واحد أعرب أكثر من 40 عالما من مؤسسات مرموقة، منها ستانفورد، وييل، وناسا، والمعاهد الوطنية للصحة، وجامعة جورج واشنطن، عن اهتمامهم بالمبادرة، وتقدم نحو 300 عالم بطلبات خلال ثلاثة أسابيع.

وبعد عام من المبادرة قامت جامعة إيكس مارسيليا بتقييم هذه المبادرة، وأصدر رئيس الجامعة إريك بيرتون هذا الشهر بيانا حصلت الجزيرة على نسخة منه حول هذا التقييم.

ووفقا للبيان فإنه بعد تقييم علمي دقيق شمل مختبرات الجامعة ومراكزها البحثية، اختارت جامعة ومؤسسة أميدكس 39 طلبًا من أصل 298 طلبًا تمت مراجعتها.

وكانت مؤسسة أميديكس قد رصدت ميزانية قدرها 15 مليون يورو (نحو 16.2 مليون دولار)، بهدف استقطاب 15 باحثا. ثم رُفعت الميزانية لاحقًا إلى 17 مليون يورو (نحو 18.4 مليون دولار)، لتمكين استقطاب 21 عالما.

وقد أتاحت الميزانية الإضافية التي منحتها مبادرة "اختر فرنسا للعلوم" في مطلع عام 2026 للفائزين في القائمة التكميلية فرصة القدوم، مما وسّع قدرة الجامعة على استضافة الباحثين.

ووفقا للبيان فمن المتوقع وصول 23 عالما من أصل 31 عالما كان من المقرر وصولهم إلى مارسيليا (بعد اعتذار 9 علماء لأسباب شخصية أو مهنية مختلفة). وقد بدأ 4 فائزين بالفعل مشاريعهم البحثية في مختبرات جامعة مارسيليا، وسينضم الباحثون المتبقون تدريجيا إلى الجامعة بحلول نهاية عام 2026.

Image removed.الدكتور إريك بيرتون رئيس جامعة إيكس مارسيليا (إريك بيرتون)

أساسات للتقدم

ويقول بيرتون في تصريح للجزيرة نت إن الحرية الأكاديمية تعد شرطا أساسيا للتقدم العلمي. ولا يمكن للبحث أن يتقدم إلا إذا كان العلماء أحرارا في طرح الأسئلة، واستكشاف الفرضيات، ونشر نتائجهم دون ضغوط سياسية أو أيديولوجية أو اقتصادية.

إعلان

 

وتُظهر الأحداث الأخيرة مدى هشاشة هذه الحرية. فعندما تُقمع البيانات، أو تُحظر بعض المواضيع البحثية، أو يختفي التمويل لأسباب سياسية، فإن النظام العلمي برمته يتعرض للتقويض.

ويقول بيرتون إن البحث العلمي يقوم على مبادئ وقيم أساسية، وهي الحرية الأكاديمية، وعالمية العلم، والتعاون الدولي، وإتاحة المعرفة للجميع. ولتمكين الباحثين من العمل براحة وكفاءة، يجب على الدول الالتزام بحماية هذه المبادئ وتخصيص ميزانيات للبحث العلمي.

ويضيف: "يحتاج العلم إلى الاستقرار والثقة لكي يزدهر. هذه الضمانات ضرورية لبناء بيئة علمية مستقلة ومستدامة تخدم الصالح العام".

وحول دور التشريعات السياسية في خدمة العلم يقول بيرتون إنها تلعب دورا حاسما في تهيئة الظروف التي تسمح بازدهار العلم، فبينما لا تُنتج الحكومات الاكتشافات بنفسها، فإنها تُرسّخ الأطر القانونية والمؤسسية التي تُتيح إجراء البحوث.

Image removed.يجب أن تحمي التشريعات الحرية الأكاديمية وتصون الباحثين من التدخل السياسي (شترستوك)

الحرية الأكاديمية

ويقول بيرتون: "أول شيء، يجب أن تحمي التشريعات الحرية الأكاديمية وتصون الباحثين من التدخل السياسي، فمصداقية العلم تعتمد على استقلاليته. كما يمكن للتشريعات أن تُسهّل تنقل العلماء وحمايتهم عندما يتعرض عملهم للتهديد".

ويضيف: "ففي فرنسا، من المتوقع أن يُناقش البرلمان في عام 2026 اقتراحا لقانون يُنشئ وضع (لاجئ علمي)، قدمه الرئيس السابق وعضو البرلمان فرانسوا هولاند. تهدف هذه المبادرة، التي اقترحتها في الأصل جامعة إيكس مارسيليا، إلى تسهيل استمرار الباحثين الذين يواجهون قيودا أو تهديدات في بلدانهم الأصلية في العمل في فرنسا، لا سيما من خلال تبسيط إجراءات التأشيرات، ولم شمل الأسر، وضمان الاستقرار المهني على المدى الطويل".

ووفقا للبيان، فإن معظم العلماء الذين سيتم استقبالهم يعكسون مجالات البحث في القطاعات الأكثر عرضة للخطر ومن بينها البيئة وتغير المناخ، والعلوم الاجتماعية والإنسانية، والفيزياء الفلكية. كما ترحب المبادرة بالعلماء المعرضين للخطر، بغض النظر عن أصولهم.

وإلى جانب برنامج (مكان آمن للعلوم)، تشارك جامعة مرسيليا  بنشاط في (البرنامج الوطني للاستضافة الطارئة للعلماء والفنانين المنفيين)، الذي يتيح استضافة باحثين من جنسيات مختلفة يفرون من ويلات الحرب أو الاضطهاد أو تقييد الحريات الأكاديمية.

وعلى مدى عدة سنوات، رحبت الجامعة بالعلماء من عدة دول، مثل أوكرانيا وفلسطين وأفغانستان وإيران وسوريا وتركيا، وقدمت لهم إطارا لمتابعة عملهم بأمان تام.

ويذكر البيان أن الأزمة لا تزال قائمة في الولايات المتحدة، لكن المجتمع الدولي استجاب للأزمة وتضاعفت مبادرات التضامن مثل مبادرة (اختر فرنسا للعلم)، ثم (اختر أوروبا للعلم)، والعديد من البرامج الأخرى المستوحاة من برنامجنا في جامعات حول العالم.

المصدر: الجزيرة