رمضان ليس شهرًا يمرّ على التقويم ثم ينقضي، بل زمنٌ يمرّ في داخل الإنسان ليعيد ترتيب روحه، ويوقظ فيه ما خمد من العزم، وما استكان من الإرادة، وما غاب من المعنى. هو فرصة سنوية نادرة يُعاد فيها تشكيل النفس كما يُعاد صقل المعدن النفيس بعد طول استعمال، فتخرج أصفى وأصلب وأقدر على حمل ما كُلّفت به من أعباء الحياة.
إن أعظم ما في هذا الشهر أنه لا يكتفي بأن يدعونا إلى الامتناع عن المفطرات فقط، بل يعلّمنا أن الصبر ليس فراغًا من الشهوات فحسب، إنه امتلاء بالقوة التي تمكّننا من توجيهها، ويعلمنا ذالك أن الجوع ليس حرمانًا فقط، بل تدريبٌ على الحرية من أسر العادة، وأن السكون الظاهر في ساعات الصيام يخفي حركة عميقة في الداخل؛ حركة مراجعة، وترميم، وبناء.
تزكية النفس في رمضان ليست شعارًا يرفع، بل تجربة تُعاش. تبدأ حين يكتشف الإنسان أن بإمكانه أن يملك زمام نفسه، وأنه قادر على أن يقول “لا” لما يذكّره بضعفه، و“نعم” لما يرفعه ويقوّيه. ومن هنا تنشأ تلك الصلة الخفية بين الصبر والعمل؛ فالصبر في حقيقته ليس احتمال المشقة فقط، بل القدرة على مواصلة السير رغمها، والثبات على الهدف رغم العوائق، وبذل الجهد حين يميل الناس إلى الراحة.
ولذلك لم يكن رمضان في تاريخنا زمن خمول أو انكفاء، بل كان على الدوام زمن إنجاز.
فيه تجلّت الإرادة حين اشتدّ الاختبار، وبرزت الهمم حين ضاقت السبل، وتحققت تحوّلات كبرى لأن النفوس كانت قد تهيأت لحمل الأعباء الثقيلة. كأن هذا الشهر يعلّم الإنسان أن أعظم الإنجازات لا تولد من وفرة القوة، بل من صفاء الغاية، وانضباط النفس، وصدق العزم.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نستعيد هذا المعنى العميق للإنجاز… لا باعتباره حدثًا استثنائيًا يدوَّن في كتب التاريخ، بل باعتباره سلوكًا يوميًا يتجسد في الإتقان، وفي احترام الوقت، وفي رعاية المسؤولية المشتركة التي تجمع الناس مهما اختلفت مواقعهم وأدوارهم. فالمجتمع القوي لا يبنى بالشعارات العالية، بل بعادات صغيرة متكررة: صدق في العمل، أمانة في المعاملة، رحمة في التعامل، وشعور دائم بأن مصلحة الجميع هي في نهاية الأمر مصلحة كل فرد.
ولعل من تمام تزكية النفس في هذا الشهر أن يتحرر الإنسان من ضجيج المظاهر التي تُثقِل الروح أكثر مما تُبهجها؛ فليس من روح الصيام أن تتحول الموائد إلى ساحات مفاخرة، ولا أن يُقاس الفرح بوفرة ما يُهدر لا بمايُشكر. إن البركة تسكن البساطة، والسكينة تنمو حيث يعرف القلب قدر النعمة دون إسراف أو تكلّف. ومن أرضنا التي علّمت أهلها قسوة الطبيعة معنى الاقتصاد والصبر، ندرك أن أجمل ما في رمضان ليس ما يُستهلك، بل ما يُصلَح…
نفسًا كانت أو علاقة.
فليكن شهرًا نطفئ فيه حرائق الخصام قبل أن نوقد مصابيح الزينة، ونفتح فيه أبواب التسامح على اتساعها، لأن القلوب المتصالحة وحدها تعرف كيف تستقبل الرحمة وتمنحها.
رمضان يذكّرنا بأن الإنسان لا يعيش وحده، وأن صيام الفرد لا يكتمل أثره إلا إذا امتدّ نوره إلى محيطه. حين يلين القلب، يصبح أقدر على الإنصاف. وحين يهدأ الاندفاع، يصبح العقل أكثر فهمًا. وحين يشعر الإنسان بحاجته، يصبح أقدر على تقدير حاجات غيره. وهكذا تتكوّن المواطنة في أعمق صورها: شعور صادق بأننا شركاء في الأرض التي نعيش عليها، وفي الخبز الذي نتقاسمه، وفي المستقبل الذي نصنعه معًا.
ليس المطلوب أن نتشابه، بل أن نتكامل. وليس المقصود أن نذوب في بعضنا، بل أن نلتقي عند ما ينفع الجميع.
ورمضان.. بما يغرسه من تهذيب ووعي ومراجعة، يمنحنا فرصة عملية لترسيخ هذا المعنى: أن نكون أكثر حرصًا على المصلحة المشتركة، وأكثر وعيًا بأن قوة المجتمع تنبع من تماسك أفراده، لا من تفرّقهم.
إن أجمل ما في هذا الشهر أنه يفتح أبوابه للجميع دون استثناء، ويمنح كل إنسان فرصة جديدة ليبدأ من جديد، ويصالح نفسه، ويعيد توجيه خطاه. هو زمن البدايات الممكنة، لا الذكريات الراكدة. زمن الرجاء العملي، لا الأمنيات المؤجلة.
وفي مطلعه، تتسع الكلمات لتصبح دعاءً عامًا، وتهنئة صادقة لكل القلوب التي تستقبل هذا الضيف الكريم بشوق أو بأمل أو حتى بتعبٍ يرجو السكينة. رمضان مبارك للجميع… لكل من ينتظر الطمأنينة، ولكل من يسعى إلى الإصلاح، ولكل من يريد أن يكون غدُه أفضل من أمسه.
فلنجعله شهر تهذيبٍ لا شهرعبث، وشهر بناءٍ لا شهر كسل، وشهر إنجازٍ يبدأ في الداخل ثم يفيض أثره في الحياة من حولنا… حتى إذا انقضت أيامه، بقي فينا منه ما يضيء الطريق طويلًا...
