الإسلام الراديكالي والتحولات الإقليمية الجديدة / د. السيد ولد أباه
الثلاثاء, 13 يونيو 2017 05:07

مع أن الدول العربية أدانت بقوة الهجوم الإرهابي الذي تعرض له البرلمان الإيراني وقبر الخميني، فإن السلطات الإيرانية سارعت إلى اتهام السعودية بالوقوف وراء الاعتداء، حسب بيان من الحرس الثوري الإيراني. ما أرادته طهران هو تمرير وهم الشريك الدولي في محاربة الإرهاب واتهام «الإسلام السني» بأنه مصدر العنف الراديكالي على عكس «الإسلام الشيعي» المسالم، وهي الأسطورة التي نجحت في تسويقها للإدارة الأميركية السابقة ولبعض الحكومات الأوربية.

قبل أشهر أصدر المرشح اليميني للرئاسيات في فرنسا «فرانسوا فيون»، الذي هزم في الانتخابات الأخيرة، كتاباً بعنوان «الانتصار على الاستبداد الإسلامي»، ذهب فيه إلى هذا الرأي، معتبراً أن إيران دولة يمكن الاعتماد عليها في محاربة التطرّف الديني الذي ربط فيه بين «المذهب الوهابي» وحركة «الإخوان المسلمين».

 

والحقيقة الماثلة للعيان هي أن إيران هي التي أدخلت الإرهاب إلى الساحة السياسية في منطقة الشرق الأوسط، كما أنها تنتمي إلى نفس السياق الأيديولوجي لـ«الإخوان»، وهو الإسلام السياسي الراديكالي، بينما لا يمكن اعتبار ما يسمى بالوهابية أيديولوجيا سياسية، بل دعوة إصلاحية من داخل الإسلام السني التقليدي.
التفجيرات الإرهابية الأولى التي عرفتها المنطقة حدثت في إيران في إطار صراع الأجنحة المتصادمة التي شهدتها البلاد بعد ثورة الخميني عام 1979، ولقد بني تنظيم الحرس الثوري على هذا الأساس نفسه، كما صمم تنظيم «حزب الله» اللبناني لتصدير النهج الإرهابي نفسه للمنطقة، وإيران نفسها هي المسؤولة عن كثير من العمليات الإرهابية التي عرفتها بلدان غربية كما هو موثق ومعروف.

وإذا كان من الصحيح أن التطرّف الراديكالي السني خرج من حركة «الإخوان» وجماعات الإسلام السياسي، فإن ما يغيب عن الكثيرين هو أن الخمينية امتاحت أفكارها الأساسية من الفكر الإخواني، ولذا كانت انحرافاً نوعياً عن التراث الشيعي الكلاسيكي في نظرية «الحكومة الإسلامية» التي هي نتاج التأثير المودودي القطبي. ومن المعروف أن المرشد الحالي «خامنئي» هو من المتأثرين بالاتجاه القطبي، وقد ترجم بعض كتب «سيد قطب» للفارسية.

وبعد إعلان «الجمهورية الإسلامية» في إيران، وقف «الإخوان» في البلدان العربية مع النموذج الخميني واعتبروه تجسيداً لمشروعهم الأيديولوجي، واشتهر الإخواني التونسي «راشد الغنوشي» بتسويق التجربة الإيرانية، وسعى الإخواني المغربي «عبد السلام ياسين» إلى محاولة نقل التجربة إلى المغرب، كما أن إيران احتضنت بعض الزعامات الإخوانية واحتفت بالإسلامبولي الذي اغتال الرئيس السادات وأطلقت اسمه على أكبر الشوارع في طهران.

أما علاقة إيران بتنظيم «القاعدة» الذي استضافت بعض قياداته فمعروفة، رغم استفادتها من الحروب الأميركية في أفغانستان والعراق التي دعمتها تكتيكياً، ناقلة الحرب الإرهابية الطائفية إلى العراق ثم سوريا.

مع التضييق الراهن على جماعات الإسلام السياسي وتصنيفها في خانة الإرهاب وحصارها من خلال الموقف الخليجي العربي الحاسم في الملف القطري، من المتوقع أن تستعيد تحالفها القوي مع إيران التي تتفق معها في التوجه الأيديولوجي والمصالح المباشرة.

التحول الكبير الذي تشهده المنطقة راهناً هو الخروج من حالة «الفراغ الاستراتيجي» التي كان الأمير الراحل «سعود الفيصل» قد نبه إليها منذ سنوات، وذلك ما نقرؤه من خلال العديد من المعطيات الأخيرة مثل القمة العربية الأميركية التي أعادت قواعد اللعبة الديبلوماسية التقليدية في الشرق الأوسط، والنجاحات العسكرية والسياسية المتزايدة التي حققها في اليمن التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات، والضغوط القوية على قطر للعودة إلى محيطها الطبيعي في الخليج بدلاً من الاستقواء بالقوى الخارجية والجماعات المتطرفة.

في باريس حيث كنت مؤخراً لحضور ندوة حول التطرّف الديني، لاحظت أن الاهتمام كله منصب على موضوع الإصلاح الديني في الإسلام للخروج من حالة التطرّف والعنف، وقد بينت في ورقتي المقدمة للقاء أن الموضوع لا علاقة له بالجوانب العقدية أو الشرعية، بل هو في جوهره سياسي، منبهاً إلى الجذور الأيديولوجية لـ«العنف الإسلامي» في فكر الإسلام السياسي في رافديه السني والشيعي.

المطلوب راهناً، مع الآمال المعقودة على الحركية الجديدة في المنطقة، هو محاصرة هذا الفكر وأشخاصه ودوله الراعية لإعادة السكينة والاستقرار للمنطقة وللدين معاً.

الإسلام الراديكالي والتحولات الإقليمية الجديدة / د. السيد ولد أباه
 

كود امني تحديث