إعلانات

تدريس العربية في أتون جدل أوروبي محتدم

خميس, 12/03/2020 - 07:21
في كتابه "اللغة العربية.. كنز فرنسا" يقول المؤلف جاك لانغ إن الوقت حان لتأخذ العربية مكانها في المدارس الفرنسية (الجزيرة)

لغة "الإرهابيين" أم كنز فرنسا التاريخي؟..

 

بوعلام رمضاني-باريس 

 

كما كان منتظرا، أشعل جاك لانغ رئيس معهد العالم العربي وزير الثقافة الفرنسي السابق الجدل في الأوساط الفكرية والإعلامية التي لم تنتظر صدور كتابه "اللغة العربية.. كنز فرنسا"، لتندلع حملة شرسة ضده، قادها الإعلامي والكاتب الفرنسي المعروف بمواقفه العنصرية إريك زمور المعجب باللغة العربية أدبيا وموسيقيا فقط، والمعادي لها إلى حد الكره المرضي لأنها" لغة الإسلاميين الإرهابيين" على حد تعبيره في حوار تلفزيوني نهاية يناير/كانون الثاني الماضي.

التقت الجزيرة نت جاك لانغ الذي رد على أسئلة خاصة بمناسبة عقده ندوة صحفية في مكتبه حول كتابه الجدلي الجديد، وقال إنه لم يستسلم لخصمه زمور، ليس لأنه صاحب مزاج مقاوم بطبعه فحسب، بل لأنه يعتقد جازما أن اللغة العربية لا تنفصل عن تاريخ فرنسا الأمر الذي يصيب بالجنون أعداءه من اليمين واليمين المتطرف.

ويعتبر لانغ أن العربية لغة علوم متنوعة وحضارة إنسانية عريقة وإبداع أدبي وفني ساحر، الأمر الذي يوجب تعليمها بعيدا عن الأفكار المسبقة.

وفي البلد الذي لا يعرف تاريخا من التنوع اللغوي، لا تبدو فرضية حماسة لانغ للغة العربية ونضاله من أجلها، كما يقول في مقدمة كتابه، منفصلة عن أبعاد سياسية وخلفيات جدل فرنسي سنتعرف عليه في هذا التقرير. 

ويرى لانغ أن معهد العالم العربي الذي يترأسه تأخر في تدريس اللغة العربية التي يعدها "كنزا فرنسيا"، وهي الفرضية الرئيسة التي بنى عليها الكتاب رغم العقبات والمصاعب الموضوعية التي خصص لها فصلا كاملا، وقال إنها تشكل تحديا كبيرا لكتابه الذي دخل به أتون جدل محتدم حول القيم الفرنسية والأمة والعلمانية، وعدم التنوع للغوي، وهي القيم التي تتميز بها فرنسا حتى في محيط أوروبي.

وفي السياق الفرنسي يُحسب رئيس معهد العالم العربي على تيار اليسار الاشتراكي، الذي يشهد حزبه تراجعا متزايدا في الأعوام الأخيرة، في مقابل صعود اليمين واليمين المتشدد في الساحة السياسية والثقافية على حد سواء. 

 

تاريخ فرنسا

يعترف رئيس المعهد الذي دشنه الرئيس الراحل الاشتراكي فرنسوا ميتران عام 1987، وشرع في إعادة الاعتبار للغة العربية من خلاله، بأن كتابه يثير الجدل عند الذين "يجهلون تاريخ وتراث فرنسا، وبالتالي تاريخ اللغة العربية التي أدخلها ملك فرنسا السابق فرنسوا الأول قبل أكثر من خمسة قرون"، الأمر الذي يفسر نضاله "من أجل توضيح الحقائق ومواجهة التلاعب الأيديولوجي والديماغوجي والشعبوي" على حد تعبيره.

ويهدف كتاب لانغ لدمج تعليم اللغة العربية في مناهج التعليم والتدريس العمومي في فرنسا، لاستعادة الكرامة التي فقدتها في المجتمع بسبب تهميش "اللغة العالمية التي يتحدث بها أكثر من أربعمئة وثلاثين مليون نسمة في حوالي ستين بلدا". 

 

تكريم حراك الجزائر

وفي نظر لانغ، فإن اللغة العربية دخلت الحداثة في بداية الألفية الثالثة معبرة عن رهانات ثقافية واقتصادية وجيوسياسية، ويستعملها الشباب اليوم للتعبير عن رغباته وأحلامه ومطالبه عبر شبكات التواصل الاجتماعي مثلها مثل اللغة الإنجليزية.

ويقول لانغ عن العربية، إنها لغة الكُتّاب والشعراء والفنانين والمغنين والعلماء والباحثين والصحفيين والمقاولين، مضيفا أنها "تساهم في تجديد العالم العربي، وتعتبر لغة من العالم المعاصر". 

وبربطه اللغة العربية بإبداع الشباب، يكون لانغ قد كرم شباب حراك الجزائر في ذكرى انطلاقته التاريخية الأولى ليس بسلميته المبهرة فقط، ولكن بتكريسه اللغة العربية وتطويرها في الشعارات والهتافات كما يدعو لانغ، وجاء شعارها "يتنحاو قاع" من صلب اللغة العربية ويعني "يجب أن يتنحى كل الفاسدين من القاع" أي من الجذور. 

 

ليست لغة المسلمين فقط

في 115 صفحة قسمها لثلاثة فصول هي "العربية وفرنسا: من الإتحاد إلى الطلاق" و"اللغة العربية: هذه الجميلة المجهولة" و"اشتباكات وسعادة تدريس اللغة العربية"، أشاد لانغ بمزيج من التاريخ الفرنسي والعربي، وهو ما أثار سخط نقاده.

ويبدو الكتاب كما لو أنه دعوة ثقافية وإنسانية في سياق فرنسي وعالمي تزداد فيه وتيرة الشعبوية والعنصرية.

ويرد لانغ على الشعبويين الذين "يتجنون على التاريخ تحت وطأة جهلهم" كما يقول، باعتبار أنهم "يربطون بين التطرف الإسلامي والإرهاب واللغة العربية"، ويروجون لفرضية ربط اللغة العربية "بالغزو الإسلامي" ماضيا وحاضرا.

ويقول المؤلف عن لغة الضاد، "إنها ليست فقط لغة القرآن المقدسة بفضل الوحي فحسب، وإنما كانت ولا تزال لغة العرب المسيحيين واليهود والمسلمين والملحدين لأنها لغة ضاربة في عمق التاريخ السابق للإسلام، والحافل بقوة شعرية وروحية ساحرة بكل المقاييس، وهي اللغة الإمبراطورية والحضارية التي اغتنت باحتكاكها مع مناطق وثقافات متنوعة عبر القرون".

 

فضل العربية على الغرب

ويصر لانغ على القول إن "اللغة العربية كنز تاريخي فرنسي"، رغم كل ما يقوله مخالفوه عن الأفكار المسبقة للملك فرنسوا الأول ولآخرين من المستشرقين الفرنسيين اللاحقين، وفي تقديره، لم يكن من الممكن في تصور فرنسوا الأول خلال القرن السادس عشر استيعاب العلوم الإنسانية باللغتين اليونانية واللاتينية فحسب ، وكان من الضروري توسيع الرقعة لتضم اللغة العبرية من أجل الأبحاث التوراتية واللغة العربية من أجل الفلسفة والعلوم. 

لانغ الذي اكتفى بالحديث عن هدف فهم الخصم العربي في إشارة إلى إنجاز فرنسوا الأول في النظام الملكي القديم دون رفع اللثام عن الخلفية الاستعمارية، عرج لاحقا من منظور تاريخي منهجي على ترجمة المستشرق الفرنسي أنطوان غالان لكتاب وملحمة "ألف ليلة وليلة" في الفترة بين 1704 و1717 إلى اللغة الفرنسية، وهي الترجمة التي "ساهمت في تحويل اللغة العربية إلى لاشعور عميق لثقافتنا" في نظره .

وتزداد فرضيات الخلاف مع المؤلف خاصة حينما يتحدث عن إيجابيات وسلبيات الحقبة الاستعمارية بقوله "إنها دفعت باللغة العربية نحو الأمام لأسباب علمية وثقافية ولحاجات إدارية وقانونية أو إنسانية"،  وهذا الكلام لا يقبله مثلا جزائري يعرف أن فرنسا الاستعمارية قد تعاملت مع اللغة العربية ليس حبا فيها وإعجابا بها، ولكن لتوظيفها خدمة لأهدافها الاستيطانية والتغريبية الاستئصالية التي ما زال يعاني منها وطن المليون شهيد حتى اليوم.

 

تجار الخوف

وفي الوقت الذي يرى فيه لانغ وقلة من المثقفين الفرنسيين أن تدريس اللغة العربية في إطار علماني هو السبيل الأنجع لقطع الطريق على تيار المتشددين، ينظر قطاع كبير من النخبة الفرنسية إلى تعليم العربية كخطر يهدد أركان الجمهورية العلمانية خاصة إذا تم تدريسها لأبناء المهاجرين وللفرنسيين عبر جمعيات ذات طابع ديني.

وخلال الندوة التي غلب على حضورها صحفيون من أبناء المهاجرين، سألت الجزيرة نت رئيس المعهد العربي عن التأخر الكبير في تدريس اللغة خاصة أن المؤلف كان وزيرا للتربية ومسؤولا عن قطاع التعليم، وما إذا كان ذلك يشير لكون موضوع محاربة ما يسمى "الإرهاب الإسلامي" هو السبب الحقيقي الذي سرّع من وتيرة التجربة لمحاولة "نزع تعليم اللغة العربية من قبضة المتطرفين".

وتجنب لانغ (80 عاما) الإجابة المباشرة عن الأسئلة، لكنه ورحب بفكرة ترجمة كتابه الجديد للعربية.

المصدر : الجزيرة