تيد هيوز... الشاعر أم الوحش؟
الجمعة, 21 أبريل 2017 09:55

فاضل السلطاني

هناك في التاريخ الأدبي، كما في غيره، ما يمكن أن نسميه أساطير أدبية تكونتنتيجة ظروف معينة، يختلط فيها الشخصي والأدبي، وقد يطغى الأول على الثانيغالباً، أو يزيحه إلى حد كبير. ولعل الموت المأساوي المبكر لشخصية أدبيةوفنية، خاصة إذا كانت ضحية، يلعب لعبته هنا، كما حصل مع الشاعرة الأميركيةسيلفيا بلاث، التي ارتبطت ببريطانيا من خلال دراستها وإقامتها، والأهمزواجها من الشاعر البريطاني الشهير تيد هيوز، ومن هنا بدأت أسطورتهاالخاصة، التي لا تزال تكبر وتكبر.

منذ انتحارها المفجع في فرن غاز عام 1963، لا تكف سيلفيا بلاث عن الحضور،ويعاد إنتاج قصتها من جديد. كل تفاصيل هذه القصة الاستثنائية صارت معروفة،وكنا نتصور أنها انتهت بعدما استهلكت طويلاً، خاصة مع موت تيد هيوز، شريكبلاث الآخر في صناعة الأسطورة. ومن المعروف أيضاً، أن الرجل شبع اتهاماً بأنهوراء انتحارها بخيانته لها مع صديقتهما المشتركة آسيا ويفل، التي انتحرت هيأيضاً بعد 6 سنوات من انتحار بلاث، وبشكل أكثر مأساوية منها، إذ قتلت طفلتهاأيضاً، طفلة هيوز. ماذا كان يفعل هيوز بنسائه؟آخر فصل في هذه القصة - الأسطورة التي لا تريد أن تنتهي - رسائل من بلاث تماكتشافها حديثاً، وخصصت لها صحيفة «الغارديان» البريطانية صفحة كاملة نشرتفي الحادي عشر من هذا الشهر. وهي 9 رسائل كانت بلاث قد بعثتها إلى الدكتورراوث بانهاوس، أول من عالجها في الولايات المتحدة بعد محاولتها الانتحارللمرة الأولى عام 1953. وهذه هي الوثائق الوحيدة التي تروي ما جرى فيالشهور الأخيرة من حياة الشاعرة. وكان هيوز قد مزق دفتر يومياتها بعدانتحارها؛ مبرراً ذلك بقوله: «لقد مزقته، أو مزقت أجزاء منه لأنني لم أردلأولادي أن يقرأوه». لكن أين الأجزاء غير الممزقة؟ لا أحد يدري. وتتحدثبلاث في هذه الرسائل عن العنف الجسدي الذي كان يمارسه هيوز ضدها، قبل وقتقصير من إجهاض ابنهما الثاني عام 1961، الحدث الذي أشارت إليه بلاث في بعضقصائدها، كما ذكرت في رسالة لها أن هيوز قال لها إنه «يريدها ميتة».هل كان هيوز وحشاً حقاً؟ من المعروف، أنه صمت تماماً منذ انتحار بلاث، ولم يردعلى الاتهامات المنصبة عليه وخاصة من المنظمات النسوية بكونه السبب الأساسي

وراء ذلك الانتحار، الذي مضى عليه أكثر من نصف قرن... لم يقل شيئاً، ما عدامرات قليلة كان يصحح فيها هذه المعلومة أو تلك.

قضى وقته متوحداً مع الطبيعة، بشكل شبه صوفي، كما كان دائماً، وخاصة منذمجموعته «غراب»، التي أطلقت شهرته. لكنه فاجأ الجميع عام 1998 في الذكرىالخامسة والثلاثين لانتحار بلاث، وقبل أشهر قليلة من موته، بمجموعته «رسائلعيد الميلاد» التي كرسها لها. غطت هذه المجموعة، التي ضمت 88 قصيدة تقطرحزناً وحباً ورقة، على قصتهما الحزينة، ولو لحين، واكتشف الناس في سطورها أيحب كبير كان يكنه الرجل لتلك المرأة التي اختارت له حتى اسمه الأدبي، تيد.

لكن جاء كشف الرسائل التسع ليعيد القصة لبدايتها الأولى، وليعيد الأسئلةذاتها. هل كان هيوز، وهو واحد من أهم الشعراء البريطانيين في القرنالعشرين، وشاعر البلاط من 1984 حتى وفاته عام 1998، وحشاً حقاً؟ هل يمكن أنيكون شاعر مثله، أو أي شاعر، وحشاً؟ أما تُرانا، مرة أخرى، أمام ذلك الانفصامالمريع، الذي يمتلئ به التاريخ الأدبي، بين الإنسان والمبدع؟ هل نصدق هيوزالشاعر، أم هيوز الإنسان؟

المصدر: "الشرق الأوسط"

 

تيد هيوز... الشاعر أم الوحش؟
 

كود امني تحديث