ابتدائية تفرغ زينة / أبو العباس أبرهام
الأحد, 09 يوليو 2017 15:01

صورة ‏‎Abbass Braham‎‏ الشخصية ، ‏ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏‏لقطة قريبة‏ و‏منظر داخلي‏‏‏‏‏مدرستي، ابتدائية تفرغ زينة، التي درستُ بها وجاورتُها لأكثر من ربع قرن، تُحطّم هذه الأيام بعد أن خصخصها وقلّصها وباع نصفَها المِعلمي الجنرال عزيز، أكبر تاجر بالبلد. وقد زرتها أول أمس ووقفت أسائلها كشاعِر جاهلي وبكيتُ على أطلالها كعصفور مبتل. فهذا تاريخ آخر من تواريخ البلد تُدمِّرُه أطماع رجال الأعمال المتنكِّرين في هيئة الساسة. 

فقد باعت الطغمة الحاكمة مدارس قلب العاصمة، التي تخرّجت منها الأجيال من بناة الدولة وعباقرتها وعامتها وتكوّنت فيها ثقافة المواطنة واندمج فيها الألوف ونهضت فيها الحيوات والذوات. وقد كان قلب المدينة، كابيتال، مكاناً للانصهار، أما اليوم فهو يُبرجَز (gentrified) ويُدمّره هؤلاء الهمج والطُّماع والتپتابة والملاّحة والونطارة.
لم أعد أشعر كثيراً بالانتماء- وأعتقد أنني أتكلّم في هذه النقطة باسم الكثيرين- وذلك كلّما عُدت لنواكشوط؛ فكلّ مكان كانت لي به ذكريات قد دُنِّس أو طُمس. وقد أعدت بالأمس المرور عرضاً بثانويتي المنكوبة فهاجت أشواقي إليها. ولعبت بأذني صراخاتنا أطفالاً بساحتِها. ولوهلة تخيّلتُ نفسي ملثّماً على قلوص أكفكف دمعي وأتوعّد أعدائي بثأر وشيك.
وكانت معي، اثناء مروري بالمدرسة، المؤرِّخة الكندية، آنْ ماكدوغال، التي تزور موريتانيا في عمل بحثي لمدة أسبوعين. وكانت آنْ قد بدأت زيارة موريتانيا قبل أن أولد أنا. وقد قالت لي أن حدود نواكشوط في 1977 كانت الكنيسة، التي أصبحت الآن تقريباً في قلب العاصمة. أما الملعب فقد قالت إنه كان إذْذاك بعيداً من العاصمة (ربما كما يبعد عنها المطار الآن). ولا ريب أن سوكوجيم تفرغ زينة كانت على ثغر العاصمة في الثمانينيات. وقد وُلِتُ بعد سنوات بلكصر ثم انتقل أهلي بعد أشهر إلى سوكوجيم تفرغ زينة، وهي حينها حي إداري لمّا يتبرجز بعد. وعندما أفقت كانت العاصمة قد تمدّدت إلى لاس بالماس وأه نور وأف نور، التي عاصرت طفرتَها الطائعية. وكانت الابتدائية لما بلغنا سنّ دخولها المدرسةَ الوحيدة لجميع تفرغ زينة (دعك من "أمل"، التي كانت حرّة ومن "شمس الدِّين"، التي كانت حرّة وبدعة وغير قادرة على المنافسة). ولما تزايدت المقاطعة طردياً قُسِّمت المدرسة لسنوات إلى قِسمين: مدرسة للصباح سُميَ "ابن سينا" ومدرسة للمساء سُميت "تفرغ زينة". كان الانقسام أولاً جندرياً؛ ولكن المثل الصنهاجية العريقة منعت هذه الأصولية، التي طُبِقَت سابقاً على "ثانوية البنين" و"ثانوية البنات". وفي الحقيقة فإن هذه المدرسة أعطتنا هويتنا، التي تشكّلت كذلك بالمغايرة وبالمنافسة مع ابتدائيات السوق (إيكول مارشى وإيكول 2 وغيرها). وقد جمعت التلاميذ والمعلِّمين من مختلف الطبقات والفئات والأعراق واللغات. وكنا نعرِف بعضنا وكبرنا مرائي لبعضِنا. وكان لي مشروع كمرايا نجيب محفوظ؛ وهو دراسة موريتانيا من خلال سِير تلامذة ابتدائية تفرغ زينة. كلّ شيء راح.
وهو أيضاً يروح في كلّ مكان مغاير. فالخطر على المدينة ليس طوفان البحر؛ بل طوفان المسح الذاتي للذاكرة. وهذا يحدث عندما يحكم البلد أشخاص لا يقرأون: لذائذيون وهيدونيون لا يعرفون معنى التاريخ؛ وحسبهم إشباع غرائزهم، ثمّ الكذب باسم المصلحة العليا. فقد اكتشفنا، أنا وآنْ، أن الدولة الموريتانية، (مثلاً إدارة الحريات العمومية بوزارة الداخلية)، قد قامت بحرق جميع أرشيفها قبل 2008؛ فلا توجد تواريخ تراخيص الجمعيات العمومية وغيرها. كلّ تاريخ حُرق. مغول يحكمون. البلد بلا ذاكرة. والآن ها هو الجديد: هنالك، في أعلى االهرم، من يتقاضى على هذا النسيان.
في المساء تلقَيْتُ اتصالاً من صديق سأل عن رأيي في جريمة شبيهة، وهي الإلغاء بالغصب والقوة لمؤسّسة تاريخية وطنية هي "مجلس الشيوخ" (ربما سيبيع الجنرال أيضاً بناية المجلس). ويتعيّن عليَ الآن ان أقول رأيي في هذه المسألة (ذلك أنه سيقَ مؤخّراً ضدّي أنني أتآمر بالصمت): فلقد صمتُ، نسبياً، عن إلغاء مجلس الشيوخ والعلم الوطني. والسبب هو انني متأكِّد أن هذه الأشياء ستعود قريباً. فقط عندما يذهب هذا الأحمق. أول أزمة وأول وحدة وطنية ستعيد العلم التاريخي، المجمعِ عليه، ومجلس الشيوخ.
إذاً: للبيت ربٌ سيحميه. أما أنا فلا أبغى غير إبلي: مدارسي وثانوياتي. للأسف ستستحيل العودة. وهذا ما سمته نعومي كلاين بـ"رأسمالية الكوارث". لا أبغي غير إبلي. وهذه هي قضيتي الآن.
"اليوم مكانتي رهنٌ بهذه الإبل".

ابتدائية تفرغ زينة / أبو العباس أبرهام