عن الإعلام الاجتماعي / أبو العباس أبرهام
الأربعاء, 10 مايو 2017 20:33

لقد غُبِنّا - أيتها السيدات والسادة- في الفضاء الاجتماعي. ولم نربَح البيعَ بالمرّة. فقد افترضنا بسذاجتِنا المعهودة أن وجود إعلام اجتماعي سيعني انتزاع المعرفة من الاحتكارات الكبيرة؛ وأن هذا سيأتي بتحرّر كبير من الهيمنات الطبقية والمعرفية القائمة. تبيّن أن هذا كان هُراءً.

لقد تحرّرت المعرفة إلى حدٍّ بعيد. وأمكن ببساطة للمتصفِّح النفاذ إلى المعرفة تقريباً بدون كُلفة. وأكثر من هذا فإن المعرفة العملية في المتناول: المظالِم أمام أعيُنِنا يومياً. ولكن هذا لم يُنتِج حركة معرفية وعَدْلية كبيرة. لقد ظنّ الثوريون- عبر التاريخ- أنه لا يحول دون الثورة إلا المعرفة. وأن المعرفة عملٌ واقتضاء. لقد سلّمنا بهذا الربط البرجوازي بين المعرفة والأخلاق.
ولكن ما حدَثَ هو العكس. في كلِّ مكان: في أميركا وفرنسا استفاد رأس المال من الحراك الشعبي. والواقِع أن أوّل رئيسَيْن افتراضِيَيْن في البلدَيْن قاما من المصالح الثَّرِية، لا المسحوقة. وأول من استفاد من الوعي الشعبي الجديد هو المصارِف، المسؤولة أولاً وأخيراً عن الأزمة. ينطبِقُ هذا على الحفترية والسبسية والسيسية، ناهيك عن الملكيات الخليجية. وفي العالم العربي أورثت الثورة الافتراضية حركة ثورية كبيرة مُضادّة، وهي خليطٌ من المشاعِر المُحافِظة الأمنوية المستجيرة بالسلطان، باللفاياثان: فهي تُقايِض "أمنَها" بحريتِها وبالعدالة. أما كثيرٌ من "الثورية" فهي حركة هيمنة من الملَكيات على الجمهوريات بالحركات "الشعبية" و"الدِّينية" فيهما أو هي حِراك طائفي يُعيدُ تعريف الوطنية على أساس مذهبي وعشائري.
ما زالت الطبقة العليا قادِرة على تزوير الوعي. وتماما كما كانت تستخدِم الدِّين والعادات والتقاليد في تأبيد نفسها فإنها اليوم تستخدِم الوطنية والإجماع الليبرالي والأمنوية والتخويف من الذئب للنماء. والواقِع أن هذا حدَثَ بفعل الآليات الجديدة لاشتغال المعرفة: فقد أصبَحت اجتزائية (أكثر). وأصبَحت قائمة على النسيان. فالفضاء الإجتماعي يقوم وينهَضُ في إطار حملاتي ثم ينسى وينتقِل للفيلم الجديد. وما هو أهم: صارَت المعرفة جزئية، مُتقطِّعة، مُشوّهة. لقد فُصِلت المكتبة عن الحياة. لقد مُكنِنَت المعرفة وسُوِّقت. صارت ترفيهاً. وما هو أكثر إثارة للرُعب: لقد صارت المعرفة نميمةً.

عن الإعلام الاجتماعي / أبو العباس أبرهام