مُماهاة "الخويصة" والاضْطِرار / محمد الأمين الناتي
الأحد, 26 مارس 2017 03:19

ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏في معنى الإعجاب/6
في التفاعل والانتماء:
الانْكِفاء على الذات الذي هو جِبِلَّة الخُوَيْصِّيَّين، غيْرُ مُحْتاج إلى اسْتِزادة في التَّمهُّل، بما يَعْنيه من إعْراض عن الفعل اتِّجاه الجماعة؛ بلْ لعلَّه من نافلة القول أنَّ البادي من أَمْر هؤلاء، أنَّهُم مَدْفوعون إلى خِيارهم هذا، لمَّا أَحسّوا ضعْفَ الحيلة اتِّجاه مُثيرات لا يقْوون على حِراكٍ حِيالها؛ وأنَّهم مُكفَوْن من عنائها بِسبَبِ أنَّ غيْرَهم سيتكفَّل بفعل اللازم؛ ورُغْم هذه السلبية، فهي انْطِوائية لا ضَرَرَ لا حقٌ بالمجموعة إِثْرَها. 

أمّا حين يبدأ السُّكون في حركة، بارْتِسامات سلوك الفرد، غير عابئ بقيم الجماعة، لا يلوي على شيء، مُتَلهِّف في ارْتِياد المنافع بكُلِّ جَشَع ونَهَم، مُتحلِّلا من كُلِّ وازع، مُتَجاهِلًا الضَّوابط والقوانين، مُسْتهتِرا بالأعْراف والقِيَّم ـ فإن العبَث بتُراث الجماعة، وأسس قيامها، يُصْبح تحْطيما لمُقوماتها، وتقْويضا لشُروط الوجود فيها.
وإذا كان الكَسْب في الجماعات؛ وحتّى في المجموعات الأقلّ انْتِظاما من الإنسان ـ كالحيوانات والطيور والحشرات، ولبعضها انتظامه الجمعي الصارم ـ فإن التماهي مع الجماعة هو ضمان تحقيق المنْفَعة الخاصَّة؛ في مثْل هذه الحال يُدْرك الأنانيون ضرورة الانْتِماء في جَدْوى سِعايتهم لنيْل أكْبر المُطاق من الفائدة؛ وحينئذٍ يكون اليقين بأن المصالح العامَّة، والتي قد تتعارض والنُّزوع الأناني المُسْرف في "الخُوَيْصَّة"، تَسْتوْجب الولاء للكيان العامِّ الذي تمثله الدولة، والانتماء إلى المجموعة الواسعة التي تعنى شعْبا بمُخْتلِف أعْراقه وألوانه، والانْخِراط في إنْجاز يُراعى مجالا بِيئِيًّا مُتَّسِعا هو الوطن بكامل حَوْزته الترابية، وبجميع جهاته وأبعاده.
غيْرُ خافٍ أن الانتماء إلى دائرة أوسع من مُنْزَوى "الخُوَيْصَّة" الضيِّق، والولاء لكيان أرْحَب، فيه التعدُّد والاخْتِلاف، ممّا لا يُوفِّر لهؤلاء الطُّفَيْليِّين المُرْتاد الذي يُشْبِعون فيه نهَمَهم، ولا المُناخ المُواتي لتَفْريخ نزَواتِهم، وما أَلِفوا أنْ يلْتَهِموا بلا عَناءٍ وكَدِّ، وما تَوافر لهم من رِعاية تكَفَّلَت بها الجماعة، وهم غارقون في انْعِزاليتهم ـ غيْرُ خافٍ ـ إِذَنْ ـ أنَّ الانْتِماء إلى الأوْسِع، والولاء للأَرْحب يُجافي طبيعة أُلئِك؛ ومن ثمَّ جُبِلوا على مُجافاة الجماعة؛ وأَعْمَلوا مَعاوِل الهدْم في آليات انْتِظامها؛ وأذْكَوْا نَزْعةَ التقابُل بيْن العامِّ والخاصِّ؛ لتَكون الجهة والقبيلة في وجْه الوطن والدولة؛ ومن أجْل الثراء والتَّملُّك الفاحش تُنْهَك المرافقُ العمومية، وتُسْتنْفَد المؤسسات، وتُنْتَهَك الحُرُمات والقوانين، وتُداس الأَعْراف والقيم؛ لأنَّهُم «يَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لمًّا وَيُحِبُّونَ الْمَاَل حُبًّا جَمًّا»!
ومماهاة الخويصة تتواصل لاحقا ـ إن شاء الله.

 

مُماهاة